محمد عبد الله دراز
173
دستور الأخلاق في القرآن
طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ « 1 » . وقد فصلت هذه الطّيبات المحرمة ، الّتي وردت إشارة هنا - في موضع آخر من السّورة السّادسة ( الأنعام ) ، ثمّ ختم التّفصيل بقوله تعالى : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ « 2 » . فالإسلام لم يفعل إذن سوى أنّ ردّ الأمور إلى نصابها ، ووضعها موضعها . ومع ذلك فتلك هي الرّسالة الّتي كلّف عيسى عليه السّلام أن يؤدي جانبا منها على ما حدث القرآن : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ « 3 » . وثالثها : أننا لا نستطيع أن نفهم بسهولة ؛ كيف تريد رحمة اللّه أن تثبت منذ البداية نظاما يضغط ضغطا شديدا على الإنسان ، ذلك المخلوق الضّعيف ، حتّى لتجعله يئن تحت ثقل نيره ، على ما تدل عليه كلمة « إصر » ؟ . أمن الممكن أن نتحدث ، إلى حدّ ما ، وتبعا للمعتقدات ، عن مشقة نسبية في بعض الفرائض الواجب أداؤها ، أو أن نتحدث عن قدر معين من المشقة يتفاوت في مبلغ امتداده ، أمام حرية المبادأة ، أو حرية الاختيار ؟ . . أيّا ما كان الأمر فلا ينبغي أن نتوسع كثيرا في هذا الموضع ، الّذي قد يحتاج إلى دراسة مقارنة أكثر تفصيلا . ولنعد إلى نقطة بدايتنا ، لنرى بما نسوق من أمثلة - بعض مظاهر اليسر العملي الّذي خصّ به القرآن أوامره . والمظهر الأوّل يكمن في أنّ القرآن لا يفرض علينا الغلوّ في تطبيق بعض
--> ( 1 ) النّساء : 160 . ( 2 ) الأنعام : 146 . ( 3 ) آل عمران : 50 .